حان وقت الغداء في باليرمو، وفي الحي القديم ازدحم رصيف صغير بعدد من عمال البناء والصيادين الذين يرتدون احذية قديمة، الكل يزدحم حول طاولات قديمة يراقبون مباراة لكرة القدم في جهاز تلفزيون قديم. وكان الضجيج عاليا من اصوات الاكواب والحديث المتبادل بين الرجال. واطباق الخضار سريعة القلي وحبار البحر المشوي موضوعة على الارفف، ورائحة الثوم المقلي تنتشر عبر الغرفة. والقيت نظرات على باقي الموائد وطلبت ما يطلبه الجميع: السباغيتي بزيت الزيتون وقواقع بحرية وطماطم.
ولكن عندما وصلت السباغيتي غارقة في صلصة طماطم حارة، لم تكن هناك شوكة ولا نادل. مجرد صاحبة المطعم بينا التي ترتدي خفا منزليا وسيجارة مشتعلة مدلاة من طرف فمها. وصاحت بينا «تريدين شوكة؟» وكان صوتها استفزازيا لدرجة انني كنت على استعداد لتناول الطعام بيدي. «احصلي عليها بنفسك. الدرج الاعلى الى جوار الفرن».

واذا كان تناول الطعام في مطاعم باليرمو الايطالية الصغيرة يشبه زيارة منزل شخص ما، فهو كذلك بالضبط. فبينا وهي ام صقلية تحتفظ بغرفة نوم خلف المطبخ وتفتح مطعمها الصغير خمس مرات اسبوعيا للغداء فقط، وتقدم مجموعة من افضل الاكلات في هذه المدينة الميناء.

وفي مطعم «زيا بينا» الواقع على بعد 4 عمارات من ساحل البحر، لن تجد لوحة ترحب بالزبائن، ولا قائمة طعام مكتوبة ولا قائمة حجز ولا هاتفا. كل ما هناك نصف دزينة من الموائد، ورسومات دينية ومجموعة من الاواني والقلايات تتصاعد منها الابخرة.

ولكن لا يمكنك دخول المطعم ببساطة. فإذا لم تعجب بينا بك، ستقول إن المطعم مغلق – وهي تقدم اطباقا من الفطر المحشو وسمك السيف الى مائدة من الصيادين الجائعين. ولحسن الحظ وصلت مع صديقي الصقلي ايمانويل، وهو مصور صحافي، يأكل في مثل هذه المطاعم منذ كان طفلا.

وطعام صقلية، مثل الشواطئ الصخرية التي تنتشر فيها، طعام لا يتسم بالجماليات. فالخضراوات مقطعة بطريقة عشوائية والاسماك تقدم كاملة بالرأس والذيل. وكل الاكلات تقدم مملحة بملح خشن. وطهي بينا لا يفرق عن مثل ذلك. وهي مولعة بالمعكرونة بالجمبري الطازج والحبار او السمك. بالاضافة الى سلاطة من البطاطس والبصل والكابر. واذا كنت لا تزال جائعا، يمكنك تناول كمية اخرى، ولكن لا تتوقع ان تقدمها لك بينا. يمكنك خدمة نفسك بنفسك من القدر.

ولم تعد المطاعم الشعبية كما كانت عليه في صقلية. فما بدأ قبل عقود من الزمن كأماكن تتناول فيها الطبقة العاملة الغداء، وكان عادة من اعداد زوجاتهم في البيوت، يمتد الان الى الكراجات والبيوت الخالية – واصبحت ذات شعبية متزايدة بين الشباب الصقلي ورجال الاعمال الذين يأتون لتناول غدائهم في جو مريح واسعار رخيصة وتذوق افضل طعام في صقلية.

كما ان الطهاة الهواة يفتحون ابوابهم للعامة، وقائمة طعامهم تزداد ايضا، وإن كان ببطء وهم يفتحون ابواب مطاعمهم للغداء فقط بين الساعة الثانية عشرة والنصف والثانية بعد الظهر والاسعار رخيصة فطبق المعكرونة لا يزال اقل من ثلاثة يورو. وطريقة الطهي منقولة عن الجدات. وهذه الاماكن اكثر راحة من المطاعم الشعبية التقليدية. فصاحب او صاحبة المطعم يمكن ان ينام في غرفة خلفية، ويصعب العثور على المدخل عمدا، بلا لوحة على الباب ولا اعلانات.

وبما ان الاماكن ليست قانونية تماما، فلا يهتم اصحاب المطاعم بمشاكل العمل مثل التأمينات والتراخيص ولا الضرائب. وقال ايمانويل "إن معظم هذه الاماكن تدفع اموال حماية للمافيا. وهم يريدون تقديم طعام جيد للزبائن"، ومشاهدة مباريات كرة القدم ايضا. وبعد عدة ايام ذهبت مع ايمانويل الى روزا نيروا – وهو عبارة عن كوخ من الاسمنت في منتصف ميدان بيازيتا ديلا ابي. وبعد ظهر يوم سبت في شهر يناير(كانون الثاني) الماضي، كان المشهد داخل الكوخ شيئا مختلفا. غرفتان صغيرتان باللون الوردي والاسود، مزدحمتان بطاولات قديمة بلاستيكية وبمجموعات من الناس يلتفون حول اطباق من المعكرونة، والاخطبوط المشوي. وكانت انظارهم مركزة على التلفزيون – مباراة لكرة القدم بين فريقي باليرمو ولازيو، وكان باليرمو خاسرا. وكانت اصوات الصياح متعالية في المطعم الصغير. ولم يكن هناك مقعد خال في المكان.

ويدير روزا نيرو شاب صغير يدعى بنديتو. ورفض الكشف عن لقبه لان المطعم ليس مرخصا ولا يريد لفت الانتباه اليه. وشرح بنديتو ان هذا المكان كان مسكن امه. وكان الاصدقاء يأتون لمشاهدة مباريات كرة القدم، وكانت امه تطهي السباغيتي بالسردين. وقبل مضي فترة تحولت غرفة الطعام الى ناد محلي لكرة القدم، ومع ازدياد عدد الاصدقاء نشأ المطعم الشعبي.

وجلست مع ايمانويل الى جوار مجموعة من المراهقين وطلبنا الوجبة المتخصص فيها المطعم انجيوفا او المعكرونة بالسردين. ووصل طبق فيه اسماك السردين بأكملها وقطع من الطماطم وكمية من الصنوبر والزبيب، كلها فوق جبل صغير من المعكرونة.

وانتهينا من هذه الوجبة الشهية واثناء مغادرتنا حاولت ترك بقشيش. وقال لي ايمانويل هذه الاماكن لا يدفع فيها بقشيش «هؤلاء الناس لا يدفعون ضرائب، وكل المال يدخل جيوبهم.» هل يتعرضون لمتاعب من السلطة؟ واشار ايمانويل «هل ترى الرجلين الجالسين في الركن؟ انهما من رجال الشرطة ويحبون طعام هذا المكان، كما نحبه».

وفي آخر يوم لي في باليرمو سرت مع ايمانويل الى الشاطئ، الى منطقة معروفة باسم بيزا كلسا. وكنا في طريقنا الى بادرو الدو (لا يوجد هاتف ولا عنوان.) وهذا المطعم الشعبي يمكن تصوره منزلا – فهو عبارة عن مسكن في منطقة سكنية وحديقة صغيرة ومدخل. وقال الدو بلستريري وهو رجل لطيف في السابعة والسبعين من عمره «ولدت في المسكن المجاور. تخصصي هو السمك المشوي». وتوقف للحظة قبل ان يستمر «وتناولت كاميلا باركر بولز زوجة الامير تشارلز الحالية طعامها هنا مرة».

واضاف بالستريري ان المكان كان بارا. وقبل 40 سنة، بدأ في شي كمية من اللحم. ومع مرور الوقت تحول المكان الى مطعم شعبي.

* خدمة «نيويورك تايمز»