النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: رحلة حول العالم في كيلومتر واحد... "خاو سان رود" وما يحدث فيه

  1. #1
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    الدولة
    الامارات العربيه المتحده ابوظبي
    المشاركات
    5,933

    رحلة حول العالم في كيلومتر واحد... "خاو سان رود" وما يحدث فيه






    بقلم احمد بلال







    بدأ الرحّالة والصحفي المصري أحمد بلال منذ منتصف شهر يونيو 2019، رحلةً حول العالم بدأتْ من دبي، ويشاركنا في سلسلةٍ من المقالات، الآفاقَ والصورَ التي يكتشفها خلال هذه الرحلة عبرَ قسم "رود تريب" في موقعنا.












    هل جرّبتم العيش في "غيتو" من قبل؟ أنتم مدعوون اليوم للقيام بهذه التجربة في الغيتو الأكثر انفتاحًا في العالم. هنا تتلاقى الثقافات والقوميات والأعراق والجنسيات والألوان واللغات، ليشكّلوا سويًا سبيكة هي الأكثر تنوعًا، وغيتو هو الأكثر انفتاحًا وسماحة وقبولًا لكلّ ما ومن هو مختلف؛ سبيكة من الرحالة والمسافرين الذين استطاعوا إليه سبيلًا، فأتوه من كلّ فجّ عميق. أهلًا بكم في "خاو سان"، قلب العاصمة التايلاندية النابض دومًا بالحياة.

    الغيتو في تعريفه الشائع، هو مكان مغلق على مجموعة من البشر ذوي خلفية دينية أو عرقية محددة، يعيشون فيه طوعًا أو كرهًا، أما في خاو سان، فالأمر مختلف تمامًا، هو غيتو من نوع فريد. صحيح أن كلّ سكانه من الرحالة والمسافرين، وصحيح أن كلهم يسافرون إليه ويقيمون فيه طوعًا، إلا أن كلًا منهم جاء من ثقافة وقومية ولغة مختلفة عن الآخر، وكلًّا منهم منفتح على الآخرين، ويشعر معهم وكأنهم أصدقاء منذ سنوات.

    ليست المرّة الأولى التي أزوره فيها، ولا هي المرة الأولى التي أسهر فيه حتى يقرر الليلُ النومَ، ويتركني فيه سهرانًا، إلا أنني وبكلّ صدق، في كلّ مرة أذهب إليه أشعر بفرحة طفل يبيت ليلة العيد محتضنًا ملابسه الجديدة التي ينتظر الصباح حتى يرتديها، ويذهب ليلعب ويلهو مع أقرانه، فيما يحلم بلعبته الجديدة. أنا الآن أحلم بما سأكتشفه جديدًا في هذا الشارع هذه المرة. أجلس خلف سائق موتوسيكل بعد ارتدائي خوذة الأمان الخضراء، فيما ترتسم على وجهي ابتسامة، وشريط ذكرياتي في الشارع يمرّ من أمامي.

    لم أنتبه إلا بعد أن نبّهني سائق الموتوسيكل أننا على رأس الشارع الأشهر في العاصمة بانكوك. دفعت الخمسين باتًا (دولار ونصف) بعد أن ترجّلت، وهممتُ ببدء الجولة التي أعشقها، وإذا بالسائق ينبهني مرّة أخرى أن ثمة شيئًا ما غير طبيعي، مشيرًا إلى الخوذة التي نسيتُها فوق رأسي.
    صحيح أنني اعتدت تناول بعض أطباقه، إلا أن الأطباق العربية، حتى وإن لم أتناولها تمنحني إحساسًاً ألذّ من إحساس الشبع، هو الإحساس بالوطن البعيد القريب. هذا ما شعرت تمامًا عندما وجدت نفسي أمام عربة شاورما في بداية شارع خاو سان
    تأخرت زيارتي له هذه المرة 3 أيام كاملة، قضيتها في "هوستيل" في الحيّ الصيني ببانكوك، دون خروج تقريبًا لأكتب ما تأخر من تقارير الرحلة، وهو الشارع الذي عادة ما أحجز في أحد الهوستيلات المنتشرة على جانبيه. في كلّ رحلاتي إلى العاصمة التايلاندية. وجودي في الحي الصيني، فرض علي مطبخًا بعينه. صحيح أنني اعتدت تناول بعض أطباقه، إلا أن الأطباق العربية، حتى وإن لم أتناولها تمنحني إحساسًاً ألذّ من إحساس الشبع، هو الإحساس بالوطن البعيد القريب. هذا ما شعرت تمامًا عندما وجدت نفسي أمام عربة شاورما في بداية شارع خاو سان.

    لستُ من عشاق الشاورما، لكن إقامتي في الحيّ الصيني، جعلت منها رمزًا للتنوع الثقافي في بداية الشارع. هذا التنوّع الذي سرعان ما ستغرقون فيه كلّما توغلتم بداخله؛ هو غرق ممتع وغير مخيف على كلّ حال.

    "خاو سان رود"، الواقع في حيّ "بانغلومبو"، غرب بانكوك، لا يزيد طوله عن كيلومتر واحد، إلا أنه قد تحوّل إلى منطقة كاملة، بالإضافة إلى الشوارع المتفرعة منه، والتي تحمل نفس طابعه، ويعرفها الرحالة بكلّ بساطة بأنها "خاو سان رود"؛ فالقضية ليست شارعًا أو حارة، بل هي الطابع الثقافي والبهجة التي يتميز بها خاو سان، وكلّ من جاوره من شوارع صغيرة.
    الشارع الذي يُعدّ قبلة الرحالة في العالم دون منازع، قصةُ تطوّرِه درامية بامتياز؛ الاسم يعني "الأرز المضروب"، والمعنى أن هذا الشارع كان مركزًا لبيع الأرز في تايلاند. وأن يكون شارع مركزًا لبيع الأرز في أول دولة زَرعت الأرزَ، فهذا يشير إلى أهمية الشارع منذ تأسيسه. قد تكون البداية مختلفة تمامًا عما آل إليه الشارع حاليًا، فمن طابع محلي محض إلى طابع عالمي كوزموبوليتاني، إلا أن الأكثر اختلافًا هو أنه قد تحول الشارع في فترة لاحقة إلى شارع ديني.

    نسبة انتشار البوذية في تايلاند هي الأعلى في العالم، وفيما يبدو إن انحسار تجارة الأرز في خاو سان، جعل بعض المحلّات تفكر في بيع مستلزمات الرهبان، ما هو غير طبيعة الشارع تمامًا، وقد جعله شارعًا دينيًا بامتياز، يرتاده الرهبانُ لشراء مستلزماتهم. إلى هنا كان الشارع محليًا بشكل كبير، حتى جاء عام 1982، ليكون بداية لتغيير جديد في طبيعة الشارع، حيث تمّ افتتاح أول "غيست هاوس"، ليعرف السيّاحُ طريقهم إلى الإقامة في خاو سان.

    الانفراجة الكبرى في تاريخ ومسيرة شارع خاو سان كانت عام 2000؛ في هذا العام عُرض فيلم "الشاطئ"، ببطولة ليوناردو دي كابريو، والذي بدأ قصته من الشارع ذاته، ليتسابق الرحالة والمسافرون بعد ذلك على المكان، حتى أصبح على ما هو عليه اليوم.


    ورغم أن الفيلم كان سببًا في ذيوع صيت الشارع بين المسافرين، إلا أنّ كون الفيلم مأخوذًا من رواية "الشاطئ"، للكاتب أليكس غارلاند، والتي صدرت عام 199، ووصفه فيها بأنه "مركز الرحالة العالمي"، يعني أن الشارع أيضًا كان في هذا التوقيت وجهة هامّة للمسافرين إلى بانكوك.
    يفضّل كثير من المسافرين إلى العاصمة التايلاندية، وأنا منهم، بدءَ رحلتهم من خاو سان رود. في رحلتي الأولى إلى بانكوك قبل سنوات، كنتُ أحمل همَّ وصولي إلى الشارع، خاصة أن طائرتي ستصل في وقت متأخر من الليل، إلى إذا أنهيت إجراءات الوصول، ففوجئت بالحافلات تتوجه إلى الشارع مباشرة، بينها حافلة S1 التي لا تتجاوز تذكرتها الستين باتًا (دولارين تقريبًا).

    خاو سان، هو مكان مثالي للالتقاء والتعرّف على أشخاص من دولٍ وثقافات مختلفة، خاصة إذا كنتم رحالة أو مسافرين ذوي ميزانية محدودة، ففي هذا المكان تستطيعون بكلّ بساطة ترتيب رحلتكم، أو محطتكم أو لنقُلْ محطاتكم المقبلة، مع أشخاص يشبهونكم تمامًا في طريقة سفركم، بل ومستعدين مشاركتَكم الرحلةَ لتقليل تكلفتِها في بعض الأحيان. هؤلاء عادة ما تكون تايلاند مكانًا مثاليًا بالنسبة لهم للانطلاق إلى وجهات قريبة، مثل كمبوديا، ولاوس، وماليزيا، وفيتنام، وكذلك وجهات داخل تايلاند نفسها.
    يُعدّ حساء "التوم يام" جسرًا بين المطبخين العربي والتايلاندي، فهو ليس غريبًا كثيرًا عن مطبخنا العربي، لكنه سيكون الطبق الذي ينقلكم إلى تجربة أطباق أخرى في المطبخ التايلاندي
    يشتهر خاو سان بالمطاعم وعربات الطعام، أمتار قليلة ستفصلكم بين كّل مطعم والآخر، وخطوة أو أقلّ، ستفصلكم بين كلّ عربة طعام والأخرى. ثقافة الطعام في الشارع متنوعة بقدر تنوّعِ زواره ومريديه؛ أطباق تايلاندية محلية، بيتزا وهامبرغر، وعصائر، وفواكه استوائية؛ مطاعم عالمية شهيرة، التي تُقدَّم فيها حتى العقارب والحشرات المقلية، إلى جانب الطبق الأشهر في المكان وهو "البان كيك بالموز".
    في خاو سان، عرفت "التوم يام" لأول مرة. جربتُه ثم أدمنته؛ هو حساء آسيوي وتايلاندي بامتياز، غني بالعناصر الغذائية، لما يحتويه من خضروات وأعشاب ومأكولات بحرية. هذا الحساء بالنسبة لي، مميز جدًا بمذاقه الحارّ الذي أحبّه، وكذلك يُعدّ جسرًا بين المطبخين العربي والتايلاندي، فهو ليس غريبًا كثيرًا عن مطبخنا العربي، لكنه سيكون الطبق الذي ينقلكم إلى تجربة أطباق أخرى في المطبخ التايلاندي.

    البيرة هي المشروب الأكثر تداولًا في هذا الشارع، الذي لا تصطفّ البارات على جانبيه فقط، بل ما أن يحلّ المساء حتى تحتلّ الشارعَ بأكمله ويتركون حارة صغيرة للمشاة، الذين ستجدون بينهم الكثيرين الذين يحملون زجاجات البيرة أو غيرها من المشروبات الكحولية الأخرى في أيديهم، ويتراقصون على أنغام الموسيقى الصاخبة الصادرة من هذا المكان أو ذاك.

    في خاو سان أيضًا نوع جديد من البارات، يمكن أن نطلق عليه البارات المحمولة، بالتأكيد ستكون أرخص سعرًا من المشروبات في البارات الأخرى، فلا مقاعد ولا عروض موسيقية ولا حتى مكان، بل هي مجرّد "آيس بوكس"، به زجاجات ومعلّبات البيرة، وعربة صغيرة عليها زجاجات مختلفة لصناعة المشروبات الكحولية المختلفة.
    مراكز المساج والعناية بالجسد والتاتو ورسم الحناء، لها نصيب بالتأكيد في شارع خاو سان؛ أنواع مختلفة ومتعددة من المساج، منها مساج القدمين، والرقبة، والرأس، والظهر، والأكتاف، والجسد بالكامل، إلى جانب المساج باستخدام الزيوت التقليدية، وكما تختلف أنواع المساج تختلف الأسعار أيضًا، إلا أنها عادة ما تبدأ من 150 بات (5 دولار تقريبًا). في خاو سان، ستجدون بعض مراكز المساج، تضع أمامها الكراسيَ المريحة الأشبه بالأسرة، وقد استلقى عليها بعض المسافرين، فيما تنهمك فتيات تايلانديات في تدليك أقدامهم، في نوع من الدعاية، وكذلك بسبب الازدحام داخل هذه المراكز.
    بائعات الهوى لهن نصيب أيضًا في الشارع، وكلمة السرّ هي "مساجي"، أي مساج، وستعرفونهن تمامًا من طريقة العرض ونظرة العين ونبرة الصوت، بالطبع هنّ يقصدن نوعًا آخرَ من جلسات المساج ليس من بين الأنواع الأخرى التي ذكرناها.
    ليس فقط وجهةً للمرحِ وجلسات المساج والطعام، لكن خاو سان أيضًا وجهة هامّة جدًا للتسوق؛ الشارع، دون مبالغة، مكتظّ بمحلّات التحف وعربات الملابس، وخاصة الملابس التايلاندية الشهيرة بنقوشها المختلفة التي يتربع الفيلُ على عرشها جميعًا. في محلّات التحف ستجد العديد من تماثيل بوذا ومجسمات لفيلةٍ ونمور، والعديد من الهدايا التذكارية إلى جانب حقائب السفر المختلفة، وفي بحر الطريق نفسه ستجدون بعضَ سيّدات كبار في السنّ يرتدين زيًّا تايلانديًا تقليديًا، ويبعن مشغولاتٍ يدوية.

    مركزيةُ خاو سان في برامج معظم من يسافرون إلى بانكوك دفعَ الحكومةَ التايلاندية إلى الاهتمام به أكثر، حتى افتتحت مركزًا للشرطة في نهاية الشارع، والحقيقة أن هذا المركز لي معه قصة؛ في رحلتي الأولى إلى بانكوك قبل 3 أعوام، فوجئت بمن يعرض عليّ صباح اليوم الأول عددًا من البرامج السياحية، مؤكدًا أن المواصلات مجانًا. بالطبع أدركت أنني ضحية محتملة لعملية نصب تجري آنذاك.
    كانوا يصطفون في الشوارع، ويقدّمون كلّ هذه الخدمات، ترحمًا على ملَكِهم الذي تزامنت رحلتي مع رحيله. هذا الطقس شبيه بطقس يقوم به المصريون منذ آلاف السنوات حتى الآن، وهو توزيع بعض المخبوزات عند المقابر ترحمًا على موتاهم، ونسميه في مصر "رحمة ونور"
    قلت له: "طالما أن كلّ شيء مجاني فلمَ لا تمنحني هذه الخريطة مجانًا مثلًا؟". طلب مني الانتظار، ودخل مركز الشرطة، وأحضر لي خريطة مجانية، وظهر معه شرطيٌّ تايلاندي. كنت مستاءً جدًا كيف للشرطة أن تسهل عمل "نصاب"، فإذا بالشرطيّ يحدّد لي برنامجًا سياحيًا على الخريطة ويوقف "توك توك"، ويطلب منه تنفيذ البرنامج مجانًا تمامًا، والغريب أن هذا ما حدث بالفعل.
    في هذه الرحلة، قضيت 10 أيام كاملة في بانكوك بشكلٍ مجانيّ تمامًا؛ الطعام مجانًا، الفواكه، العصائر، الأماكن السياحية، المواصلات، وحتى قص الشعر، والعلاج، وغيره. كانوا يصطفون في الشوارع، ويقدّمون كلّ هذه الخدمات، ترحمًا على ملَكِهم "بوميبول أدوليادغ" الذي تزامنت رحلتي مع رحيله. هذا الطقس شبيه بطقس يقوم به المصريون منذ آلاف السنوات حتى الآن، وهو توزيع بعض المخبوزات عند المقابر ترحمًا على موتاهم، ونسميه في مصر "رحمة ونور".

    على كلّ حال، سيبقى هذا الكيلومتر في قلب العاصمة بانكوك، بتفرّعاته، هو أهم ّكيلومتر في رحلات كلّ مسافر، وخاصة كلّ من سافر إلى تايلاند، بأضوائه وألوانه، والهوستيلات والفنادق متوسطة الأسعار، كذلك البارات، المطاعم، مراكز المساج، الوكالات السياحية، البازارات، محلات التاتو، وغيرهم، والأهمّ من كلّ هذا وذاك، كونه غيتو للرحالة والمسافرين، لا يوجد له مثيلٌ تقريبًا في العالم.

    إذا ذهبتم إلى شارع خاو سان فتأكّدوا أنه سيكون لكم ذكرى في هذا المكان؛ هو مكان مناسب لبناء ذكريات، أتوقع أنها ستكون سعيدة.


    التعديل الأخير تم بواسطة hearty ; 2020-09-10 الساعة 12:11 PM

  2. #2
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    الدولة
    الامارات العربيه المتحده ابوظبي
    المشاركات
    5,933






    قديماً قال عالم التاريخ اليوناني، هيرودوت: "مصر هبة النيل
    ، ويؤمن المصريون أن من يشرب من ماء نهر النيل حتمًا سيعود إليه. والنيل في مصر، هو الحياة وسرُّها؛ هو البداية والخلود؛ هو من منح قبلةَ الحياة لمن لجأوا إلى ضفّتيه قبل آلاف السنوات، فجعل منهم شعبًا وأمة، وجعلوا منه إلهًا (حابي)، واشترطوا للعبور إلى حياة الخلود في قوانين ماعت، ألا يكون الشخص قد لوّث مياهَه التي ترتبط في حياتهم بالعديد من المناسبات، مثل عيد شمّ النسيم على ضفافه، لذا يعيش المصري مسكونًا ومفتونًا بالنيل والأنهار، ويسافر كذلك.

    وإذا كانت مصر هبة النيل، فإن بانكوك هبة نهر تشاو فرايا بامتياز. ليس شريان الحياة فيها الآن فحسب، بل هو من منحها قبلة الحياة حتى وُجدت، فلولاه ما استوطن التايلانديون هذه المنطقة، ولولاه لما كانت لهم عاصمة فيها.
    في القرن الخامس عشر، بدأ التايلانديون في الاستيطان على ضفّتي النهر في المنطقة المعروفة اليوم باسم "بانكوك". بالطبع لم تكن العاصمة في ذلك التوقيت، وكان مركز الحكم في "أيوتايا"، إلا أن الملك تاكسين، أمر بنقل العاصمة إلى المنطقة التي تمّ استيطانها حول تشاو فرايا، والتي عرفت باسم بانكوك، بعد احتلال البورميين للعاصمة أيوتايا.

    برنامج سياحي في تشاو فرايا

    على إحدى ضفتي نهر تشاو فرايا في العاصمة التايلاندية بانكوك، وأنا واقف في انتظار العبارة التي سأنتقل بها إلى سوق وانغ لانغ، وأفكر في مياه النهر الجارية، والأسماك الكبيرة التي تقفز بالقرب من ضفافه، فوجئتُ برجل الأمن ينبّهني إلى تجاوزي المنطقةَ الآمنة، وهي المنطقة التي تسبق الخطّ الأصفر على المرسى الحديدي، والتي لا يجوز لأحد تجاوزها قبل رسو القارب. وفيما كنت منشغلاً بالتّفكير في هذا القارب الذي يرسو ويعتليه العلمَ البرتقاليّ، كان رجل الأمن يهرول نحو رجلٍ مسنّ يقف بعكّازه على ظهر القارب، ليساعدَه في النّزول.
    زرتُ العديد من الأسواق في العاصمة التايلاندية بانكوك، إلا أنّ زيارة سوق وانغ لانغ، كانت على رأس برنامجي في هذه الرحلة؛ فهو يختلف عن معظم أسواق العاصمة بانكوك، لكونه سوقاً محلياً، البطل الرئيسي فيه هو المواطن التايلاندي، وليس السيّاح. حتى وجود بعض الأجانب في السوق، الهدف الأول منه ليس التسوّق، بقدر ما هو مشاهدة والتعرّف على كيف تدور الحياة في الأسواق المحلية في تايلاند، وكيف يتسوّق المواطن التايلاندي، وما هي أهم المنتجات المحلية التي يحرص على شرائها بعيدًا عن تلك التي تكتظّ بها الأسواق السياحية.
    يؤمن المصريون أن من يشرب من ماء نهر النيل حتمًا سيعود إليه. والنيل في مصر، هو الحياة وسرُّها؛ هو من منح قبلةَ الحياة لمن لجأوا إلى ضفّتيه قبل آلاف السنوات، فجعل منهم شعبًا وأمة، وجعلوا منه إلهًا، لذا يعيش المصري مسكونًا ومفتونًا بالنّيل والأنهار، ويسافر كذلك
    بدأتْ رحلتي بالقارب إلى سوق وانغ لانغ من رصيف راتشاونغز النهري. لم تستغرق أكثر من 15 دقيقة تقريبًا، مررتُ خلالها من 4 محطات على ضفّتي تشاو فرايا، حتى وصلتُ إلى رصيف بران نوك، أو رصيف رقم 10، حيث السوق، فيما لم تزد التكلفة عن 15 بات (نصف دولار)، هي ثمن تذكرة القارب.
    ما أن خرجتُ من المرسى حتّى ابتلعتني شوارع السوق الضيقة المتشابكة التي ذكّرتني بسوق خان الخليلي في مصر. يتنوع العارضون ما بين محلّات صغيرة وعربات أصغر، والمنتَج الذي يتربّع على عرش بضائع وانغ لانغ هو الملابس بأشكالها وألوانها المختلفة والمبهجة.
    لا تشغلوا بالكم كثيرًا بموقعكم على الخريطة، تجوّلوا في السوق فقط، ثمّ يمكنكم العودة لأيّ محلّ تريدون، بأخذ كارت منه، والسؤال عن عنوانه عندما تقرّرون العودة.

    بعد جولة تسوّق في وانغ لانغ، يمكنكم أخذ استراحة صغيرة وقوفًا على إحدى عربات الطعام أو المسليات في شوارع السوق، لتحظوا بوجبة فواكه استوائية رائعة، أو بعض المكسرات، أو أجنحة الدجاج، وحتى الحلويات المصنوعة على شكل مخللات بصل وزيتون وغيرها.
    فيما كنت أقوم بهذه الاستراحة سمعت صوت موسيقى يتعالى في إشارة على اقتراب مصدرها، وإذ بمجموعة أشخاص يرتدون زيًا أزرق، ويعزفون، بينما يمسكون بأطباق ذهبية يوجّهونها نحو الأشخاص في السّوق طالبين التبرّع منهم.
    ما أن خرجتُ من المرسى حتّى ابتلعتني شوارع السوق الضيقة المتشابكة التي ذكّرتني بسوق خان الخليلي في مصر. يتنوع العارضون ما بين محلّات صغيرة وعربات أصغر، والمنتَج الذي يتربّع على عرش بضائع وانغ لانغ هو الملابس بأشكالها وألوانها المختلفة
    صحيح أنني أسافر ونهر النيل مني محلّ الشريان، إلا أنني لم أقرّر، أو لأكن أكثر دقّة وأقول إنني لم أعرف الانتقال في بانكوك بقوارب نهر تشاو فرايا، حتى سألتُ أحدهم في رحلة سابقة عن الطريقة المثلى للذهاب إلى القصر الكبير (غراند بالاس). كان وقت الذروة، فنصحني الرّجُلُ بالذّهاب بقارب، الأمر الذي لن يحتاج مني سوى أكثر من 15 دقيقة، فيما سأحتاج أكثر من ساعة ونصف للذّهاب إلى الموقع ذاته بالتاكسي، هذا إلى جانب تكلفة التاكسي العالية في هذا التوقيت تحديدًا. حينها قرّرت التجربة، ومنذ ذاك الحين أحسست بألفة مع الأمر.
    سواء كنتم من بلاد الأنهار أو الصحاري، فالحقّ أقول لكم، إن الجولة السياحية في بانكوك باستخدام القوارب في نهر تشاو فرايا، ستكون واحدة من أجمل الجولات التي ستقومون بها. وصحيح أن الوصول لكافّة الأماكن السياحية في بانكوك قد لا يكون متاحًا عبر نهر تشاو فرايا، إلا أن الكثير منها، بل وأشهرها على الإطلاق، يقع بالقرب منه.
    القارب ذو العلم البرتقالي

    على ضفتي نهر تشاو فرايا، ينتشر أكثر من 30 مرسى، شمال وجنوب المرسى الرئيسي، الذي يُدعى ساثورن، ويقع بالقرب من محطّة القطار المعلّق الشهيرة، تاكسين. وعلى كلّ مرسى تنتشر القوارب، ولكن ليست كلُّ القوارب سواء، فلكلٍّ منها علمٌ يحدّد خطّ سيره، وكذلك أسعاره؛ أعلام زرقاء وخضراء وصفراء وبرتقالية. وأيًا كان القارب الذي ستقرّرون استقلاله، يجب أن تسألوا إن كان القارب سيتوجّه إلى محطتكم أم لا.

    شخصيًا، أفضّل القارب ذا العلم البرتقالي. هو قارب رخيص، أو لنقُلْ أرخص من ذي العلم الأزرق، ورغم أنّ سعره لا يختلف كثيرًا عن القوارب ذات الأعلام الخضراء والصفراء، حيث تتراوح سعر تذكرته بين 15: 20 بات (نصف دولار)، إلا أنه يتميّز بأن خطَّ سيرِه، يشمل معظم الأماكن السياحية في بانكوك، ويتحرّك كلّ 10 أو 20 دقيقة، من السادسة صباحًا إلى السابعة مساءً.
    من أجمل الرّحلات السياحية التي يمكنكم القيام بها عبر نهر تشاو فرايا، زيارة معبد وات آرون. الرحلة لن تتجاوز 15 دقيقة، و15 بات (نصف دولار) من مرسى ساثورن المركزي. زرت وات آرون قبل ذلك، لكنني كنت وصلت إليه بالتاكسي، إلا أن زيارته هذه المرّة عبر القارب كانت مختلفة بشكل كبير، فالنّهر ووقوع المعبد على ضفافه مباشرة، يسمح لكم بالاستمتاع بمشاهدة أبراجه التي يطغى عليها اللون الأبيض، وكذلك بقية مبانيه، من بعيد، وكذلك الاستمتاع بالاقتراب منها، واكتشافها، حتى قبل أن تطأ أقدامكم الضفّة الأخرى للنهر، وتحديدًا رصيف وات آرون.





    أماكن سياحية على ضفاف تشاو فرايا

    بعد أن تستمتع بجولتِك في معبد الفجر وات آرون، سيكون الوقت مناسبًا تمامًا لزيارة معبد وات بو، وهو الآخر من أشهر معابد بانكوك. لن تحتاج سوى قارب ينقلك إلى الضفة الأخرى من نهر تشاو فرايا، بـ4 بات فقط، وتحديدًا إلى رصيف ثا تين، الذي ستخرجون منه إلى شارع ماها رات، حيث وات بو، والذي يعدّ هو الآخر من أكبر المعابد في بانكوك، ويتميّز بتمثال بوذا المتّكئ الشهير، والذي يصل طوله إلى 46 مترًا، والتمثال بالكامل مغطّى بالذهب.
    على بعد 5 دقائق سيرًا على الأقدام من معبد وات بو، يمكنكم زيارة متحف سيام. وهو يقع في مبنى تاريخي أصفر اللون، ويضمّ العديد من القاعات التي تستطيع خلال جولتك فيها التعرّف أكثر على الشخصية التايلاندية، وتاريخ الشعب التايلاندي، كذلك العلاقات الثقافية بي تايلاند وجيرانها.
    غراند بالاس أو القصر الكبير، هو درّة التاج السياحي في العاصمة بانكوك، ومقرّ ملوك تايلاند، وتحفة معمارية لا يمكن أن تكتملَ تجربةُ السفر إلى تايلاند دون زيارته، ويمكن الوصول إليه أيضًا عبر مرسى ثا تشانج، أو رصيف رقم 9، الذي يمكن الوصول من خلاله أيضًا إلى معبد وات فرا كايو ومعبد وات ماهاثات.
    أينما كان موقعكم الآن، توجّهوا إلى أقرب مرسى، واحجزوا تذكرة جديدة للتوجّه إلى الرصيف رقم 6، حيث الجسر التذكاري المعدني بلونه الأخضر المميز، والذي يمرّ من فوق نهر تشاو فرايا، وهو جسر تاريخي يعود تاريخه إلى عام 1932. والحقيقة أنني أنصحكم بزيارته في وقت الغروب، لكي تستمتعوا بانعكاس أشعّة الشمس البرتقالية والحمراء على صفحة مياه تشاو فرايا.
    ورغم متعة الألوان في هذا المشهد، إلا أن الموقع مازال يخفي الكثير من الألوان المبهجة. اذهبوا فورًا إلى سوق الزّهور، الموجود في نفس المكان، والمفتوح على مدار اليوم إلى جوار الجسر. لا تنسوا زيارته، والاستمتاع بزهوره ذات الألوان المبهجة، فـ"لكل لون معنى ومغنى"، كما تغنّى الفنان المصري العظيم، محمد فوزي.
    يفصل مرسى راتشاونغز، الذي يمكنكم الوصول إليه من أيّ مرسى آخر، بين شريان الحياة في بانكوك، تشاو فرايا، وشريان الحياة في أهمّ أحيائها وأكثرها حيوية، شارع يوارات، قلب الحي الصينيّ في العاصمة التايلاندية، وهي جولة لا ينبغي لكم أن تضيّعوها، خاصة في المساء. ستشعرون أنكم انتقلتم إلى الصين، حيث اللغة والثقافة والعادات والتقاليد الصينية تسيطر على المكان، وكذلك يمكنكم تجربة أكل الشارع في يوارات، إذا كنتم ترغبون في تجربة المطبخ الصيني.
    إذا ذهبتم هذا المساء إلى الحيّ الصيني في بانكوك عبر نهر تشاو فرايا، فإن الذهاب في مساء آخر عبر نفس النّهر، وبالتحديد من خلال مرسى فرا أرثيت، أو رصيف رقم 13، إلى شارع خاو سان، هو فرض عين في شرع الرحالة؛ فالشّارع الأكثر متعة وبهجة، والذي يُعدّ قبلة الرحالة من كل أنحاء العالم، لن تكتمل رحلتك إلى تايلاند كلّها، وليست فقط بانكوك، دون زيارته.

    شارع خاو سان، الممتلئ بالهوستيلز والفنادق الرخيصة والمكاتب السياحية والبارات والمطاعم ومراكز المساج والتاتو، هو سبيكة المسافرين والرحالة باختلاف جنسياتهم وثقافاتهم وأعراقهم وأديانهم ولغاتهم، أتوا من كل حدب وصوب، ليجتمعوا هنا سعداء، يغنون، يرقصون، يتشاركون قصصَ رحلاتهم، وينظّمون الرّحلات المقبلة سويًا.

    نهر تشاو فرايا، هو شريان الحياة بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى في بانكوك، يقصده التايلانديون في أوقات الذروة وغيرها للانتقال إلى وجهاتهم المختلفة، ويقصده السيّاحُ للانتقال إلى الوجهات السياحية المتنوعة، ويستخدمه المواطنون كذلك في شحن البضائع، وتمخر مياهه السفنُ السياحية التي يمكنكم الاستمتاع بجولة سياحية فاخرة فيها للمرور على الأماكن السياحية المختلفة، أو تناول العشاء أو الغداء على متنها مع الاستمتاع ببرنامج موسيقي لمدة ساعتين أو يزيد، وبالطبع تتفاوت الأسعار حسب فخامة كلِّ سفينة، وكذلك حسب البرنامج الذي يتمّ تقديمه، ووقت العرض.





  3. #3
    ©؛°¨°؛©][مشرف سفاري جورجيا][©؛°¨°؛©
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    338

    اشكرك على هذا التقرير المنوع والجميل والصور ايضا كانت رائعة

    وتقبلوا وافر الاحترام

  4. #4
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    الدولة
    الامارات العربيه المتحده ابوظبي
    المشاركات
    5,933

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو سفر مشاهدة المشاركة
    اشكرك على هذا التقرير المنوع والجميل والصور ايضا كانت رائعة

    وتقبلوا وافر الاحترام
    العفو اخوي

  5. #5
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    الدولة
    الامارات العربيه المتحده ابوظبي
    المشاركات
    5,933

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة hearty مشاهدة المشاركة
    العفو اخوي​
    .العفو اخوي واشكرك

  6. #6
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Nov 2018
    المشاركات
    127

    ماشاء الله تبارك الله

  7. #7
    مسافر نشيط
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    70

    ماشاء الله تسلم هالايد شي مرتب

    بصراحة يعطيك ألف عافية أخوي

  8. #8
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    الدولة
    الامارات العربيه المتحده ابوظبي
    المشاركات
    5,933

    اشكركم اخواني واخواتي عالمرور

المواضيع المتشابهه

  1. "ليتل سيريا"، "ليتل مغرب"... أشهر الشوارع والأحياء العربية حول العالم
    بواسطة hearty في المنتدى مستلزمات السفر وادواته
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2017-05-30, 10:45 AM
  2. أبرز المباني الشاهقة في العالم..من بينها "برج جدة" وبرج "خليفة"
    بواسطة hearty في المنتدى مستلزمات السفر وادواته
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2017-01-31, 09:48 AM
  3. مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 2014-12-12, 05:19 AM
  4. روعة المكان تستوهي كل زائر """شلالات أغاي""" بمدينة صفرو
    بواسطة جيهـان في المنتدى سفاري المغرب Morocco
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 2011-09-20, 08:36 AM
  5. مطعم""""" Scala""""" بمدينة أغادير
    بواسطة جيهـان في المنتدى سفاري المغرب Morocco
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 2008-05-18, 11:09 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
X