الرغيف البلدي: نكهة مميزة في فنادق الخمس نجوم
الخبازات المصريات و«رغيف العيش» الذي يكفل «أكل العيش»
لقاهرة: زين عبد الرحمن وقفت سيدة سعودية عجوز أمام الفرن «البلدي» في فندق «مريديان» القاهرة لتشتري رغيفا ساخنا عابقا برائحة كفيلة باطلاق جميع الخيالات الشهية القادرة على هزيمة كل انواع حميات التخسيس، فهذا الرغيف اللذيذ هو احدى المتع التي لا تستغني عنها في زياراتها الى القاهرة، بل ربما هو احد اهم الاسباب التي تحملها الى «المريديان».
وليست هذه السيدة هي الوحيدة التي تحب أرغفة الخبز التي تصنعها الخبازة أمينة السيد أحمد في فرن «المريديان»، وانما يشاركها فيه الكثير من السياح وخاصة العرب، بل ان أحد السياسيين العرب الكبار لم يعد يكتفي بتناول خبز «الست امينة» في كل مرة يزور القاهرة، وعرض عليها أن تسافر معه إلى بلاده لتكون مسؤولة عن اعداد «زاده» من الارغفة الطازجة كل يوم، مع العلم ان هناك المئات من السياح الذين باتوا يحرصون على تناول هذا الخبز الذي يخرج طازجا من تحت ايدي الخبازات الخبيرات اللائي تتعاقد معهن الفنادق المصرية كمظهر من مظاهر الفولكلور المصري الخالص. وكل ما فيه يفوح بعبق القديم الاصيل بدءا من مذاقه إلى شكله الدائري المصنوع من الطوب والمغطى بطبقة من الفخار (السيراميك) ويعمل بالغاز الطبيعي على مدار الـ24 ساعة. ويحتل الفرن البلدي مكانا مهما في الفنادق المصرية، ففي فندق «المريديان» مثلا نجده في موقع مميز بجوار مطعم «القرية النوبية»، وتتناوب عليه ورديتان، صباحية ومسائية، اما السيدة امينة فهي القطب الرئيسي في العمل وتقوم بإعداد الخبز لاكثر من 12 ساعة يوميا بمساعدة خمس سيدات أخريات.
البداية
* ولا تستطيع «الست امينة» ان تذكر تماما متى بدأت في صناعة الخبز، فهي من طفولتها المبكرة كانت تساعد امها في اعداده وخبزه للاحتياج العائلي في إحدى قرى الجيزة، وعندما اصبحت في الخامسة عشرة من عمرها أتقنته كأية خبازة محترفة، وعندما توفي زوجها تاركا لها مسؤولية ستة اطفال قررت أن تستفيد من مهارتها في صناعة الخبز، والتحقت بفندق «ماريوت» لتعمل مع عدة نسوة في اعداد الخبز البلدي، ثم انتقلت إلى فندق «شيراتون» القاهرة، الى ان استقر بها المطاف كرئيسة فرن فندق «المريديان».وهكذا فإن «العيش» الشهي الذي كانت تعده امينة لأولادها اصبح مهنتها التي تكفل لها «أكل عيشها»، وشكر الزبائن واستحسانهم.
خطوات الإعداد
* ويتطلب اعداد هذا الخبز الشهي العديد من الخطوات، تبدأها «الست امينة» عادة بتسخين الفرن ويستغرق هذا عشر دقائق، ثم تنظفه بقطعة قماش مبللة بالماء، بعدها تبدأ في إعداد العجين الذي تصنع منه الخبز، حيث تخلط الدقيق بعد نخله وإزالة الشوائب منه، بالماء والخميرة، وتتركه يختمر لمدة 15 دقيقة في وعاء يسمى «ماجور» وهو عبارة عن طشت كبير من الألمونيوم، ثم تبدأ عملية تقطيع العجين، بأن تأخذ منه قطعة قطعة، تضعها على طاولة خشبية تفرش على أرضيتها قبضة من النخالة ثم تقوم بفرد كل قطعة عجين بيدها بحيث تصبح دائرية لتضعها في ما بعد على صفيحة ذات مقبض خشبي يسمى «مطرحة» وتدخل قطعة العجين إلى الفرن لتتحول إلى رغيف خبز ساخن «احمر الخدين» خلال 5 دقائق فقط، ويستوعب الفرن 15 رغيفا في المرة الواحدة (الا أن الست امينة تصنع يوميا نحو ألف رغيف).
وتستخدم أمينة قطعة حديدية ذات ذراع طويلة لالتقاط الخبز من الفرن وتسمى «باشكور» وتستخدمها ايضا لتسخين الخبز.
الخبز والصيف
* تجدر الإشارة إلى أن مهنة الخبازة هذه تحتاج الى الكثير من المهارات وليست سهلة كما قد يظن البعض والا لما راج المثل الشعبي المعروف «اعط خبزك للخباز ولو اكل نصفه»، فهي تحتاج الى خفة ومهارة في التعامل مع العجين وتقطيعه بسرعة، وهي صفات برأي «الست امينة» متوافرة في السيدات اكثر من الرجال. أما موسم العمل المنتعش بالنسبة للخبازات العاملات في الفنادق المصرية، فهو فترة الصيف، من يونيو الى سبتمبر على وجه الخصوص، والزبائن الرئيسيون هم السياح العرب الذين يحبون الخبز المحمص الأبيض الطازج، وبعض الزبائن لهم طلبات خاصة كما تقول الست امينة مثل أن يكون الرغيف محروقا قليلا أو نصف ناضج، وهي تلبيها فهي لا تستطيع رفض طلب الزبائن الذين يأتون إليها خصيصا ويتصلون بها مرارا.
وعندما تنتهي أمينة من عملها في توفير الخبز للآخرين، تأوي إلى بيتها لتحتضن أولادها الستة وتهتم بإطعامهم، وترتاح وتمضي بينهم ساعات قليلة، قبل ان تعود مرة أخرى إلى العمل الذي تعشقه لتقدم الخبز البلدي الطازج لغيرهم.ا