![]() |
|
|||
|
معلولا والأرث الثقافي الحي
![]() أرأيت إلى الأم كيف تحتضن وليدها، كذلك تحتضن السفوح الشرقية لجبال القلمون ، أجمل الجبال الجرداء في سورية بتيجانها التي تزين هاماتها، كما تزين التيجان رؤوس الملوك، تحتضن هذه السفوح بلدة معلولا، وتحيط بها من كل جانب... فعلى بعد 56 كيلو متراً من دمشق ، على الطريق الدولي الذي يربط دمشق بحلب، وإلى الغرب منه بستة كيلو مترات، تنام معلولا في ذلك الحضن الجبلي الوادع ، مرتفعة ألفاً وخمسمائة متر عن سطح البحر ، مشرفة من علوها المهيب على ما دونها من مكان، تراقب مجرى التاريخ، وتشهد على حوادث الزمن.. ولا غرابة في ذلك، فقد هيأت الطبيعة نفسها، هذه البلدة الرائعة - كما هيأتها الأحداث - لتسير في مضمار واحد.. إن الداخل إلى معلولا، يحس بعالم هو أشبه ما يكون بعالم السحر والأساطير، يفوق عالم الواقع، إلى حد أنه يصبح أكثر واقعية منه.. هنا تُحرَثُ الجدران الجبلية الشاهقة التي تحيط بالقرية، وتأخذك روعة البيوت التي تتشبث بالصخور، كما تتشبث أعشاش الطيور بشواهق الشجر والصخر.. بيوت يرتفع بعضها فوق بعض طبقات، لا تعلو الطبقة الواحدة منها أكثر من ارتفاع بيت واحد، بحيث تحولت أسطحة المنازل إلى أروقة ومعابر، لما فوقها من بيوت.. كل شيء هنا ينتمي إلى الماضي، ومع ذلك، فإنه يعيش في قلب الحاضر.. ![]() الأوابد والأحجار الضخمة والمغارات المحفورة في الصخر، تحكي تاريخ آلاف السنين، منذ العهد الآرامي، الذي كانت فيه معلولا تتبع مملكة حمص، إلى العهد الروماني الذي سميت فيه باسم (سليوكوبوليس)، إلى العهد البيزنطي الذي لعبت فيه دوراً دينياً هاماً، عندما أصبحت - بدءاً من القرن الرابع - مركزاً لأسقفية استمرت حتى القرن السابع عشر الميلادي.. ومع ذلك، فأنت لست بحاجة لأن تستنطق الأوابد والأحجار، لتستخلص منها التاريخ.. يكفيك أن تقترب من واحد من الأهالي، وتستمع إليه لتدرك أن التاريخ مازال هنا حياً يتكلم.. وبأي لسان ؟ باللغة الآرامية نفسها، التي سادت الشرق الأدنى منذ القرن الأول قبل المبلاد وحتى القرن السابع الميلادي، وهي نفسها، لغى المسيح التي تكلم بها وبشر فيها بتعاليمه السماوية، ما زال يتكلمها إلى اليوم، سكان معلولا كلهم، مبقين على أرث ثقافي أندثر من العالم منذ مئات السنين.. ![]() ومع ذلك أيضاً، فهذا الدير في القرن الرابع الميلادي، على أنقاض معبد وثني، وصمم على نمط الكنائس الشهيدية البسيطة المظهر، وسمي باسم القديس (سركيس) أحد الفرسان السوريين الذين استشهدوا في عهد الملك مكسيمانوس 297م ومازال هذا الدير محتفظاً بطابعه التاريخي الجليل. ثم زر دير (مارتقلا) الشهير، مع عشرات الحجاج المسيحيين والمسلمين الذين يفدون إليه للتبرك وإيفاء النذور فستجد نفسك في المكان ذاته الذي يضم رفات القديسة تقلا، أبنة أحد الأمراء السلوقيين، وتلميذة القديس بولس. وإن شئت ألا تكتفي بذلك، فهناك أوابد العديد منن الأديرة والكنائس والمزارات اندثر معظمها، وبقي بعظها الأخر قائماً يتحدى الزمن.. إنها كلها، هياكل معتقة، تختزن كل قداسة القرون، وكل أسرار الزمن.. ولندع عبق التاريخ يملأ نفوسنا في نعلولا، لنلتفت بعد ذلك إلى الحاضر .. فالحاضر والماضي هنا يتعانقان، ف6تختلط الروئ والوجوه.. فأنت تقرأ التاريخ في جبهة فلاح كهل، مازال يفلح الأرض ويزرعها، كما فلحها وزرعها أجداده منذ مئات السنين .. وتنظر إلى الحاضر المشرق على وجه شاب متعلم، أو فتاة حسناء مثقفة تلبس احدث الأزياء.. ![]() وإن شئت أن تتحرر من التعب، وأن تخلد إلى الراحة، فهنا الهدوء والسكينة في حضن الطبيعة الصامتة، وهنا تستمتع بالمناخ الجبلي الجاف، وتستروح النسمات العليلةن وتتذوق عذوبة المياه.. وإذا صادف أن كانت زيارتك في أحد الأعياد والمواسم الدينية، فتلك فرصة سانحة، لتشهد أروع المهرجانات الفلكلورية التقليدية، سواء في عيد الصليب، في 14 أيلول من كل عام، أو عيد القديسة تقلا في 22 ايلول، أو عيد مار سركيس في 7 تشرين الأول.. لقد جعل هذا كله معلولا واحدة من أجمل مصايف القطر، أضف إلى ذلك أنها من أولى الأماكن السياحية التي يقصدها السياح من كل مكان .. إنها القرية الفريدة من نوعها في العالم كله .. إنها لوحة رائعة، مزيج غريب من الماضي والحاضر، من الواقع والأسطورة، من القداسة والجمال.. ![]() |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|