زيارة إلى اليمن بلاد حضارة ما قبل المسيح
من ابرهيم عبده الخوري
تساءلت قبل ان تغط بي الطائرة في مطار صنعاء الدولي: كيف ستبدو لي العاصمة اليمنية بعدما صنفتها منظمة اليونسكو في عداد المدن التراثية في العالم وغيرها من المدن والقرى اليمنية الغارقة في التاريخ؟ وهل تخزين القات يبقى من اللزوميات عند اليمنيين؟
ما ان تركت صالون الشرف والزميل امين قمورية والمصور الصحافي مصطفى الشمعة قاصدين صنعاء ومنها الى مدينة الحديدة للمشاركة في العيد الوطني السادس عشر لليمن، حتى راحت اشجار القات المنتشرة يميناً ويساراً كالغابات ترحب بنا وبكل الوافدين الى اليمن السعيد. فشجرة القات، هي القوت اليومي لليمني، لها المكانة الفضلى عنده. يخزنها بعد ظهر كل يوم في مكتبه، وعلى الطريق، وفي الاماكن العامة، وداخل المنزل، حتى وان كان شرطي سير. ويدعو ضيفه الى تخزينها باعتبارها نبتة تعيد اليه صفاء الذهن والحيوية، وغير مخدرة. والاولاد صاروا يهتفون لها ويخزنونها على الطرقات وامام الاهل. كما ان النساء دخلن ملكوت القات.
صنعاء الحضارة والتراث
وصنعاء الحضارة والتراث تعيش على امجادها التليدة، وتحمل اسمها من مملكة سبأ قبل الميلاد. وترحب منازلها القديمة بالسائحين بعدما توافدوا اليها من المانيا وفرنسا واليابان للوقوف على معالمها التراثية اثر تصنيفها من قبل منظمة اليونسكو في عداد المدن التراثية في العالم. وقد اوفدت اليها المنظمة قبل سنين قليلة بعثة المانية تعمل في ميدان الآثار، فمسحت عن منازلها غبار الماضي والنسيان، واعادت اليها طلتها البيضاء، والى احيائها الهرمة رونقها، ومنعت السيارات من المرور في شوارعها الضيقة الاّ في شارع يتيم يتحول في فصلي الربيع والصيف طريقاً معبدة للسيارات، وشتاء يتحول نهراً، فيقفل امامها وامام المارة.
لقد اصبحت العاصمة التاريخية معلماً حضارياً بعدما كانت غارقة في الجهل في زمن الامام يحيى. فتحت فيها المدارس والجامعات، وزادت رقعة المساحات الخضراء، وتعددت الحدائق. ويجري الآن العمل على اقامة حديقة دولية في منطقة "أرتل" من العاصمة تزرع فيها اشجار ونباتات وزهور من شتى انحاء العالم، وستكون متنفساً لاهل المدينة.
اما المخططات العمرانية والانشائية الحديثة القائمة على تخوم العاصمة ومداخلها التي تعلو 2600 متر عن سطح البحر فتلائم الطابع القديم لمباني صنعاء.
وصنعاء القديمة "المسيّجة" بسور من حجر الطوب والطين تكتظ بالسياح الاجانب قبل السياح العرب، فيتجولون في اسواقها وازقتها يراقبون صناعة الخناجر داخل دكاكين صغيرة جداً، ويشترون الفضة والمسابح والخناجر والبن والعسل، ويتعرفون على عاداتها، ويلتقون ألماناً وفرنسيين يعملون في صنعاء مهندسين واطباء مديرين ويسكنون فيها، ولا خوف من التعدي عليهم او خطفهم لانهم محميون من السكان اليمنيين.
على ان السياح يشكون من فقدان مقاهي الرصيف. فان هدهم التعب وهم يتجولون في صنعاء، فما عليهم الاّ العودة الى الفنادق او الجلوس القرفصاء في شوارعها.
في حمى القصور
ومن صنعاء القديمة الى صنعاء التجارية. فهي تعج بالناس يزينون خصورهم بالخناجر المعكوفة، ويخزنون القات، ويعلو صراخهم الفضاء، ويرفض معظمهم اشارات السير. ويفخر الميسورون فيها بمنازلهم الجديدة وفيلاتهم التي بنوها فوق تلال صخرية على مشارف العاصمة. وهذه التلال تزخر بقصور قديمة، وفي المقدمة قصر الامام يحيى في منطقة "دار الحجر" الذي صار معلماً سياحياً بعد الاطاحة بسيده اثر انقلاب عسكري قاده المشير عبدالله السلال في السبعينات. ويتألف القصر من خمسة طوابق منها طابق يضمّ قاعات فسيحة كان الامام يجتمع فيها بزعماء القبائل للتشاور في امور البلاد. ويطل القصر على واد سحيق ترتفع فوق جهاته الاربع اربعة ابراج للمراقبة.