كل حديث عن «شفرة دافينشي» لابد وأن يقترن بالملايين. فالكتاب حقق مبيعات بملايين النسخ، والفيلم المأخوذ عنه تكلّف ملايين كثيرة من الدولارات. وها هي شركة يوروستار للنقل بالقطار السريع بين لندن وباريس تدخل طرفاً في حملة الترويج للفيلم بعد عقد بالملايين مع شركة كولومبيا، منتجة «شفرة دافينشي». كيف يمكن لقطار أن يبيع فيلماً سينمائياً؟ استغلت شركة يوروستار الحمى التي تحيط بنزول الفيلم الى الشاشات بعد عرضه في الحفل الافتتاحي لمهرجان «كان» السنمائي، جنوب فرنسا، واقترحت على الزبائن رحلات بين العاصمة البريطانية لندن وبين باريس لتتبع آثار أبطال الفيلم في هاتين المدينتين وبالأخص في متحف اللوفر، أكبر متاحف اوروبا والمكان الذي جرى فيه تصوير مشاهد أساسية من الحكاية.
وهنا لابد من التذكير بأن فريق فيلم «دافينشي كود» كان قد وصل الى مدينة «كان» آتياً من لندن على متن قطار سريع تابع للشركة في رحلة قطعت 1421 كيلومتراً واستغرقت سبع ساعات و25 دقيقة. وهي المرة الاولى التي يسير فيها اليوروستار بين المدينتين، كما انها أطول مسافة في تاريخ النقل بالسكك الحديد يقطعها قطار فائق السرعة، بدون توقف، مع مسافرين على متنه. ولهذا دخلت تلك الرحلة كتاب «غينيس» للأرقام القياسية.
أطلقت شركة يوروستار حملتها على نطاق عالمي، عبر الدعايات الاذاعية والسينمائية، وشبكة الانترنت، وفي محطات القطارات والمطارات الكبرى، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا. وساهمت في الحملة جهات سياحية وثقافية اخرى، دعت السياح والشباب وعشاق التاريخ والمغامرين المولعين بالغموض الى تتبع آثار بطل الفيلم روبرت لانغدون، الذي قام بدوره الممثل توم هانكس، واستكشاف المتحف الباريسي العريق وفك أسرار الشفرة السرية التي دوخته مع مرشدته الفرنسية الشابة التي قامت بدورها الممثلة اودري تاتو.
ويؤكد بول تشارلز، مدير العلاقات الصحفية في الشركة، أن فيلم «شفرة دافينشي» ساهم في رفع أعداد المسافرين بين باريس ولندن بالقطار. والكثير منهم مدفوع بحب الاستطلاع وبالرغبة في السير على خطى توم هانكس، والدليل على ذلك أن النسخ العديدة من الرواية التي نسيها المسافرون في جيوب مقاعدهم في اليوروستار انتقلت الى مكتب المفقودات في المحطة.
هل باريس هي اللوفر فحسب؟ لا بالتأكيد. انها مدينة الألف سحر وسحر. ولابد لزائرها أن يستكشف شفرتها المخبوءة والمتغيرة باستمرار لكي يتمكن من التمتع باقامته فيها. إن زيارة اللوفر لا تعني الفرجة على اللوحات والآثار فقط، بل الوقفة المدهشة أمام الهرم الزجاجي الذي يتوسط ساحة الدخول الى المتحف وتمتيع العين بالانعكاسات الضوئية للزجاج على الباحة الداخلية التي ينزل اليها الزائر بسلالم كهربائية متحركة فيصبح تحت الهرم، بل في قلبه، وكأنه فرعون معاصر حي يتنفس! هناك متاجر غريبة في هذا الطابق الأرضي، وهي ذات اساليب مبتكرة في العرض، تتخصص في كل ما من شأنه أن يقود الخيال الى فكرة جديدة أو لمسة جمالية مغايرة. أقلام وقطع ديكور وساعات وملابس ولوحات ودفاتر ملونة للكتابة وورق رسائل مترف ممهور بختم متحف اللوفر مع المغلفات المنسجمة معه. هدايا ثمينة لمهدى اليه عزيز.
أما إذا أنهيت زيارتك الشيقة وحللت اللغز التاريخي الذي يقرحه عليك مؤلف الرواية دان براون وغادرت المتحف، فان حي الهال Les Halles سيفتح لك ذراعيه داعياً اياك الى استراحة في أحد مقاهيه ومطاعمه التي تستعصي على العد. أنت في باريس اُمّ المقاهي، وستجد على مقربة منك، بعد مسيرة دقائق على القدمين، ساحة «الشاتليه» المطوقة بالمسارح ذات الصيت، وأشهرها مسرح سارة برنار والمقهى الذي يحمل الاسم نفسه ويلتقي فيه الفنانون وأهل الثقافة. إن جدرانه مزينة بلوحات باذخة لتلك الممثلة التي خلّد التاريخ اسمها، وثرياته المدلاة من السقف المنقوش بالرسوم القديمة تعكس أياماً من العز ما زالت تجاهد لتقاوم الميل الحديث الى تطوير أجواء المقاهي وتحويلها الى غرف متشابهة وقاتمة ذات طاولات وكراسي بنية اللون، تضج فيها مكبرات الصوت والشاشات التلفزيونية الجدارية الصاخبة، بدعوى التجديد ومسايرة روح العصر. ومقابل هذا المقهى يقع مقهى ومطعم فخم ما زال يحافظ على طابع القرون الماضية وزخرف عصر النهضة، هو «الزيمر». هذا الجنوح الى الحداثة في التصميم والأثاث يقابله ظهور مطبخ حديث في وصفاته، يحترم الرغبة المتزايدة في تناول طعام خفيف لا يثقل على المعدة ويلتزم بنصائح خبراء التغذية... سلاطين هذا الزمان. وتجد في محيط «اللوفر» أكثر من مطعم من هذه الفصيلة التي تشعرك بالرضى عن نفسك المردوعة عن الأمر بالسوء واشتهاء السمين من الأطباق.
في الرقم 18 من شارع اللوفر يقع مطعم «كي» Kai، وهو واحد من تلك المطاعم اليابانية التي غزت باريس بالعشرات في السنوات الأخيرة. إنه يذكّرك بالمطاعم الجامعية واسلوب «اخدم نفسك» وصواني الأكل في الطائرات، ويفتح أبوابه ظهراً فقط لكي يعطيك فكرة وافية عما يمكن أن تكون عليه وجبات الغد من أسماك خفيفة وأعشاب عطرية وخضار مسلوقة على البخار.
يقع اللوفر على الضفة اليمنى لنهر السين، وهناك جسر خشبي للمشاة يدعى جسر الفنون يقودك الى الضفة اليسرى، حيث تمتد جادة السان جيرمان بمقاهيها العابقة بذكريات السورياليين والوجوديين ومفكري الحداثة وسينمائيي الموجة التي كانت جديدة في القرن العشرين. ومع الاحتفالية بمئوية طيب الذكر جان بول سارتر يكتسب مقهى «ليه دو ماغو» جاذبية خاصة، بكراسيه التي تحتل مساحة مسقوفة من الساحة المقابلة لكاتدرائية السان جيرمان. إن احتساء الشاي هنا، أو في مقهى «فلور» المجاور هو متعة لا تخلو من كلفة. لكن لكل شيء ثمناً. وأنت لن تدفع كلفة كيس الشاي وابريق الماء المغلي وانما لذة الطبق المصنوع من الفضة القديمة والآنية التي مرت على مشاهير العصر، أمثال سارتر ودو بوفوار وميشو وأراغون ودوراس ولوي مال، قبل أن تستقر على الطاولة أمامك، وكذلك لذة الفنجان المنقوش بختم المحل، ومتعة أن تحتسي شرابك ، سواء أكان قهوة أو شاياً أو شوكولاتة ساخنة أو غير ذلك، بينما تمر تحت ناظريك صرعات باريس بكل أناقتها التي لا تخلو أحياناً من عجرفة. مظاهرة ضد الغزو الجديد يثور السكان القدامى لهذا الحي غضباً واستنكاراًَ لزحف دكاكين الثياب ومطاعم الوجبات السريعة على مكتباته ومقاهيه التقليدية، وقد شكلوا هيئة للدفاع عنه تقودها المغنية المخضرمة جولييت غريكو، لكن هذه الحسناء السابقة التي عشقها كبار زمانها، والثمانينية اللاحقة، هي كمن ينفخ في قربة مثقوبة. لقد جاء «ديور» وأقام محلاً لبضاعته في أهم ركن من أركان الساحة، وتبعه «لوي فويتون»، وتجرأت سلاسل المقاهي النيويوركية ودكاكين المرطبات الأميركية الشهيرة فأطلت برأسها في أطراف ساحة السان جيرمان، رافعة راية العولمة رغم أنف غريكو الأقنى ورفاقها من العواجيز الذين يموتون قبل الموت وهم يرون مدينتهم تسحب شبراً بعد شبر من تحت أقدامهم. لكن مصائب قوم فرنسيين عند قوم فوائد. والسياح اليابانيون والبرازيليون والخليجيون المولعون بالشراء سيجدون في هذا الحي بقعة تجمع بين شخصية باريس المميزة وبين متعة التسوق بكل تنوعاتها. هذا إذا عنّ لهم أن يفارقوا جادة «الشانزيليزيه» البراقة ويستكشفوا المدينة الحقيقية.
إذا جئت من الدوحة أو الشارقة أو الكويت أو الدمام، قاصداً لندن مربط خيل العرب ثم منحدراً منها الى باريس على متن اليوروستار المحفور تحت بحر المانش، فلا تتورع عن هكذا مغامرة. اشتر خريطة المترو أو استقل سيارة اجرة واطلب من سائقها أن يأخذك الى بقع سياحية قديمة ومتجددة مثل قرية بيرسي Bercy village في الدائرة الثانية عشرة من باريس، والى المكتبة الوطنية الجديدة القريبة منها وما يحيط بها من مقاه وصالات سينما، والى حي الباستيل وشارع لابRue de Lappe بمراقصه التي تصحو الليل كله، وشارع موفتار Rue Mouffetard بساحته الجميلة العلوية ذات الشجيرات الأربع والمطاعم اليونانية ومقاهي الشيشة التي تستدل عليها من روائح المعسل بالتفاح. ومن هناك تنحدر سيراً في الزقاق الذي يعتبر من أقدم أزقة باريس، محفوفاً بالدكاكين المتنوعة، وصولاً الى ساحته السفلية Place Saint Medard التي تقوم فيها أجمل سوق مفتوحة للفواكه والخضار والأسماك والورد. هنا يتجمع صباح كل أحد عازفون وعابرو سبيل وربات بيوت وسياح لا شغل لهم بالسوق انما مروا للفرجة، ينشدون الاغنيات القديمة الخالدة للمطربة إديت بياف ويرقصون التانغو... لعله التانغو الأخير في باريس... يقوده مارلون براندو لكي يسلّم شفرته الى توم هانكس.
* عروض خاصة مع «يوروستار» ـ فندق دو فندومHotel de Vendome من فئة الخمس نجوم، يتمتع بموقع جميل، على بعد 5 دقائق بواسطة المشي عن متحف اللوفر وشارع الشانزيليزيه.
السعر 179 جنيها استرلينيا للشخص الواحد (تذكرة قطار مع إقامة ليلتين).
ـ فندق مالت اوبرا Malte Opera من فئة الثلاث نجوم، مبناه قديم يعود للقرن الثامن عشر، ويقع مقابل المكتبة الوطنية وعلى مقربة من مبنى الاوبرا غارنييه، وعلى بعد 500 متر، من اللوفر.
السعر 112 جنيها استرلينيا للشخص الواحد ـ فندق دوق دو بورغون Hotel des Ducs de Bourgogne من فئة الثلاث نجوم، مبناه يعود الى القرن التاسع عشر، وقريب جدا من اللوفر والنوتر دام.
السعر 113 جنيها استرلينيا للشخص الواحد ـ فندق فكتوار اوبراVictoires Opera من فئة الاربع نجوم، قريب من Place des Victoires و دار الاوبرا، وتجد حوله العديد من المحلات الصغيرة التي تميز العاصمة الفرنسية.
السعر 118جنيها استرلينيا للشخص الواحد للحجز والاستعلام:
www.eurostar.com