الموضوع: لبدة الكبرى
عرض مشاركة واحدة
  #2 (permalink)  
قديم 05-06-2005, 08:02 PM
الكحلة الكحلة غير متواجد حالياً
مسافر جديد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 4

باقى الموضوع عن لبدة الكبرى
كانت منطقة لبدة موطنا لجماعات بشرية في عصور ما قبل التاريخ كما تدل على ذلك بعض حجارة وجدت على ضفاف وادي الرملة ، وقد أسس بها الفينيقيون المراكز الأولى للبدة وصبراتة . ولبدة مدينة عظيمة من مدن الشمال الأفريقي الكبرى ، أسسها الفينيقيون في أوائل القرن العاشر ق م . عند بداية استعمارهم إفريقية ، وهذا التاريخ يقرب من تاريخ إنشاء قرطاجنة ، وكانت معروفة عند القرطاجنيين باسم "لبكي" ، وقد حرفها اليونانيون إلى "لبشس" . وبقيت هذه الكلمة مستعملة إلى القرن الثالث ق م ، ثم حرفت في اللغة اليونانية من "لبشس" إلى "لبتس" لسهولة النطق في اللغة اليونانية بكلمة "لبتس" عن "لبشس" .. وبما أن "لبتس" اسم لمدينة في "بيزاشينا" خافوا أن يحصل التباس بين المدينتين ، فأضافوا إلى لبتس الأفريقية كلمة "مانيا" ، فصارت "لبتس مانيا" ومعناها لبدة العظيمة ، أو لبدة الكبيرة .

وقد استطاع الفينيقيون أن يعمروا البلاد بسرعة نظرا لخصوبة أرضها ، واعتدال مناخها وصلاحيته للسكنى ، ولأن لها ميناء مأمونا وصالحا للملاحة ولوقوعها على نهر عين كعام ، الذي يقع شرقيها بقليل .. ومما زاد في سرعة عمرانها العلاقات الطيبة التي نشأت بين السكان والفينيقيين نتيجة لحسن معاملتهم لهم . ودكرت هيرودوت واقعة كبيرة عند مصب "شنبس" وادي عين كعام . ويستنبط بعض المؤرخين أن هذه الواقعة كان لها أثر سيء في تأخر لبدة وتدهور حضارتها .. وقد اعتراها الانحطاط في أواخر القرن السادس ق م . وفي هذا الوقت حاولت عصابة من اليونان برياسة الأسبرطي ديور أن تنشيء مستعمرة عند مصب نهر "شنبس" نهر عين كعام ، منتهزة ما اعترى لبدة من التأخر والانحطاط ، وقد تم لها ما أرادت .

وكانت تقصد إلى أن تحل محل الفينيقيين في هذه المنطقة ، ولكن القرطاجنيين خافوا تسرب نفوذ اليونان غربي سرت فلم يلبثوا أن هاجموها وخربوا مستعمرتها وطردوها هي ومن معها ، ولم يمكنوها من الرجوع مرة أخرى . واستولوا على لبدة وما حولها ، وأعادوا إليها ما فقدت من عمرانها وحضاراتها ، وتوطد ملك القرطاجنيين فيما بين السرت الكبير ، والسرت الصغير ، وأطلق على هذه المنطقة اسم "أمبوريا" ، وصارت جزءا من أملاك الإمبراطورية القرطاجنية ، وبقيت لبدة المركز الرئيسي للمنطقة فيما بين السرتين ، وتتمتع باستقلال داخلي ، وبقيت تحت حكم القرطاجنيين إلى أوائل القرن الثاني قبل الميلاد .

وفي أوائل هذا القرن أصبحت تابعة للنوميديين في الفترة ما بين الحربين القرطاجنتين الثانية سنة 218 ، والثالثة سنة 149 ق م . وكانت تبعيتها للنوميديين شكلية ؛ لأنها كانت مقصورة على دفع الجزية . وفي سنة 111 ق م ، أرسلت وفدا إلى روما طالبة صداقتها والتحالف معها للتخلص من حكم النوميديين ، وفي سنة 107 ق م أمدتها روما بأربع كتائب من الجنود لمحاربة النوميديين . ويظهر أنها لم يمكنها التغلب عليهم ، وبقيت تحت سيادتهم الاسمية متمتعة باستقلالها الداخلي إلى أن احتلها الروم سنة 42 ق م ، وانتهى حكم النوميديين .

وبدخولها تحت الروم صارت جزءا من أفريقية ، هذا بالنسبة للسواحل ، أما الدواخل فبقيت تحت سلطة حاكم من نوميديا حتى أوائل القرن الثالث م ، حيث أقيم خط دفاع ضد سكان الجنوب وسموه ليمس تريبوليتانوس . وقد تعرضت لبدة لغارات الجرمنتيين فيما بين سنتي 24 و 17 ق م ، واستعانوا بقبائل أخرى من الجنوب ، وذلك بسبب نزاع قام بينها وبين "اويا" طرابلس الآن بسبب اختطاف الماشية ، والتعدي على بعض الأشخاص ، فاستنجدت "اويا" طرابلس بالجرمنتيين وبعض قبائل الجنوب ، فخفوا لنجدتها ، وهاجموا لبدة فتغلبوا عليها ، وخربوا ضواحيها ، واضطر السكان إلى الاحتماء بأسوار المدينة حتى أدركهم "فاليريوفيستو" بجيشه وطرد الجرمنتيين ، واعاد إلى المدينة طمأنينتها وما فقدته من أهمية كانت تتمتع بها كمحطة للقوافل ، التي كانت تصل ساحل البحر الأبيض بالجنوب والسودان .

وفي سنة 146م ، ظهر في لبدة "ستيميو سيفير" وهو من إحدى الأسر الكريمة فيها ، فتولى عرشها ، فعنى بشؤونها ، ونشر فيها العلم والأمن ، وأمعن في مطاردة المعتدين عليها من قبائل الجنوب حتى اقصاهم عنها ، وعني برقيها الداخلي ، فوفر لها سبل الحياة الصالحة بما أنشأ فيها من وسائل العمران والتقدم .. وتقديرا لأعمال هذا الرجل المصلح واعترافا بإخلاصه أطلق السكان على أنفسهم اسم الستيميين تيمنا باسم ستيميو ، واشتهروا بذلك .

وفي القرن الثالث الميلادي ، زمن الإمبراطور سيفيروس سيبتيموس ، من سنة 193 إلى 211م ، وزمن ألكسندر سيفيروس من سنة 222 غلى سنة 235م ، بلغت لبدة مبلغا عظيما في الحضارة والتقدم العمراني ، وفي هذا العصر كان سكانها خليطا من القرطاجنيين والروم واليونان والليبيين ، وبلغ عددهم ثمانين ألفا . وكانت أويا "طرابلس" في هذا العهد لم تبلغ شأوا يمكنها من مزاحمة لبدة في النفوذ والسلطان . وفي القرن الرابع أصدر دقيانوس أمره بإعطاء أويا لقب ولاية ، وكانت لبدة لها الصدارة ، فأخذت أويا تزاحمها في صدراتها ومكانتها . وفيما بين سنتي 363 ، 366 من القرن الرابع م ، اعتدى الاستريانون على ولاية لبدة فألحقوا بها أضرارا بالغة ، وخصوصا بالمدينة حتى ساءت أحوالها وأخذت في الانحطاط حتى طمع فيها الوندال . وفي سنة 455 م ، احتلها الوندال ، ولكنهم لم يعنوا بها وتركوها للفوضى ، وامتدت إليها يد النهب والسلب من القبائل البربرية المقيمة في المدينة وحولها ، وأكبرها قبيلة لواتة . وفي هذه الفترة أصيبت بفيضان كبير من وادي عين كعام فحطم الجسور والأسوار ، وكان له أسوأ الأثر في شل الأيدي العاملة ، وتسرب اليأس إلى النفوس من القدرة على الإصلاح . فأهمل شأنها ، وزحفت الرمال عليها ، ودبت روح التمرد في القبائل القاطنة حولها . ولم تأت سنة 533م حتى حولت هذه القبائل الفوضوية المدينة إلى خراب ، وطمع البيزنطيون في احتلالها .

وفي سنة 533 م ، احتل البيزنطيون لبدة ، وكان احتلالهم لها بداية عهد جديد لعمرانها واسترداد بعض ما فقدت من حضارتها واتخذت مقرا للحاكم العسكري ، وقد أصلح جوستنيان كثيرا مما امتدت إليه أيدي الفساد في العهد الذي قبله . وأدخل عليها الروم من فنون العمارة والزخرفة ما زاد في ضخامتها وجمالها . يشهد بذلك ما اكتشف من آثارها الجميلة زمن الاحتلال الإيطالي من سنة 1911 إلى أواخر سنة 1942 .

ولكن اللواتيين دأبوا على الثورة والتخريب ، ولم يخضعوا لما أقيم في لبدة من حكم وانتهى الأمر بانسحاب حاكم البلد "سيرجو" منها . وبعد جوستنيان أخذت البلاد في الانحطاط ، والسير إلى الخراب بخطى واسعة . وفي سنة 643م ، وصلت إليها طلائع العرب الأولى للفتح الإسلامي ، فلم تجد في لبدة من العمران إلا بقايا من قصورها العظيمة ودورها الفخمة ، وإلا بقايا من السكان خليطا من أجناس متعددة يعيشون فيما بقي من خرائب دورها وقصورها . وقد مر بهم العرب الفاتحون في ذهابهم وإيابهم ، فلم يكن لهم معهم شأن ، نتيجة لما هم فيه من ضعف واستكانة ، وفقر مدقع . وقد أتت الكاهنة على ما بقي فيها قابلا للإصلاح ، كما أتت على عمران غيرها من مدن أفريقية . وتقع لبدة شرقي مدينة طرابلس بنحو تسعين كم ، وقد أكل البحر جزءا كبيرا منها ، وبنيت مدينة الخمس في أوائل القرن التاسع عشر على جزء منها وبأنقاضها . ولما بنى مراد آغا جامعه الذي بتاجورة نقل إليه منها أعمدة الرخام التي أقامه عليها ، وكثيرا ما نقلت منها أعمدة الرخام للجوامع .

___________________________

تاريخ الفتح العربي في ليبيا ، للأستاذ الطاهر الزاوي .

رد مع اقتباس